عُمان تُدخل تعديلات حاسمة على قانون ضريبة دخل الأفراد

عُمان تُدخل تعديلات حاسمة على قانون ضريبة دخل الأفراد
الاثنين، 23 يونيو 2025

 

في خطوة جريئة تعكس نضوج التوجهات المالية لعُمان، أعلن جهاز الضرائب عن تفاصيل موسعة تتعلق بقانون ضريبة دخل الأفراد الذي أُقرّ مؤخرًا، مؤكداً أن هذه التعديلات تمثل أحد أعمدة التحول الاقتصادي الذي تقوده السلطنة ضمن رؤية "عُمان 2040". وتأتي هذه التعديلات لتوضح آليات تطبيق القانون، وتوسع نطاقه، مع تقديم ضمانات واضحة تتعلق بالعدالة الضريبية وحماية الاستقرار المعيشي.

وقد أثار القانون الكثير من النقاش في الأوساط الاقتصادية والاجتماعية، خاصة مع دخوله حيز التنفيذ اعتبارًا من يناير 2028. لكن التفاصيل الجديدة تكشف عن حرص واضح من قبل الجهات المختصة على تحقيق توازن دقيق بين حاجة الدولة لتعزيز مواردها، والحفاظ على القوة الشرائية للمواطنين.

بنية قانونية متكاملة: 76 مادة و16 فصلًا

وفقًا لما أعلنه جهاز الضرائب، يتضمن القانون الجديد 76 مادة موزعة على 16 فصلًا، تشمل بنودًا دقيقة تحدد بوضوح:

  • نطاق تطبيق الضريبة

  • أسس احتساب الدخل الخاضع للضريبة

  • الإعفاءات الممنوحة

  • طرق تقديم الإقرار الضريبي

  • صلاحيات جهاز الضرائب في التحصيل والمراقبة

ويعد هذا التفصيل الهيكلي خطوة مهمة في سبيل ترسيخ الشفافية، وتمكين الأفراد والمؤسسات من فهم التزاماتهم، وتجنب التفسيرات المتضاربة التي كانت مصدرًا للجدل سابقًا.

من يخضع للضريبة؟ وما هي النسبة؟

واحدة من أبرز النقاط التي سلطت الأضواء على القانون هي النسبة المفروضة على الدخل، والحد الأدنى الذي يُلزم الفرد بتقديم الإقرار الضريبي.

فوفقًا للقانون الجديد، يلتزم كل من يتجاوز دخله السنوي 42,000 ريال عُماني بسداد ضريبة بنسبة 5%، وذلك بعد خصم التكاليف والخسائر والإعفاءات المنصوص عليها. وهذا يعني أن الغالبية العظمى من المواطنين ذوي الدخل المحدود والمتوسط سيكونون خارج نطاق التطبيق، في إشارة إلى توجيه الضريبة نحو شريحة القادرين فقط.

صلاحيات موسعة لجهاز الضرائب: رقابة مصرفية بشروط

كما منحت التعديلات جهاز الضرائب صلاحية طلب المعلومات المصرفية من البنوك المحلية وفروعها، وذلك فقط في الحالات التي ترتبط بتحصيل ضريبة مستحقة على أشخاص خاضعين لأحكام القانون. وتأتي هذه الخطوة ضمن إطار قانوني يحمي الخصوصية من جهة، ويضمن كفاءة التحصيل من جهة أخرى.

وتخضع هذه الصلاحيات لضوابط مشددة وفقًا للتشريعات النافذة، مما يعزز ثقة الجمهور بأن تطبيق القانون سيتم ضمن حدود الشفافية والمساءلة القانونية.

خارطة طريق نحو التطبيق في 2028

تم تحديد الأول من يناير 2028 موعدًا لبدء تطبيق القانون، ما يمنح الجهات الرسمية الوقت الكافي لإعداد البنية التحتية الرقمية اللازمة، وإطلاق حملات توعية موجهة للفئات المشمولة. كما سيتم إصدار اللائحة التنفيذية خلال عام من نشر القانون في الجريدة الرسمية، لتفصيل الإجراءات والخطوات العملية.

ويرى مراقبون أن هذه المهلة الطويلة تمثل مؤشرًا إيجابيًا، لأنها تُظهر أن هدف الحكومة ليس الاستعجال في التحصيل، بل بناء نظام ضريبي مستدام يلقى القبول المجتمعي.

عدالة ضريبية أم عبء جديد؟

من الطبيعي أن تثير أي خطوة ضريبية مخاوف من احتمالية زيادة الأعباء المالية على المواطنين. لكن جهاز الضرائب والجهات الاقتصادية العُمانية أكدت مرارًا أن هذه الضريبة ستُطبّق فقط على نسبة ضئيلة من السكان، لا تتجاوز 1%، وأن عائداتها ستُوجه بالكامل إلى دعم منظومة الحماية الاجتماعية، بما فيها برامج الضمان والدعم النقدي للفئات الهشة.

ويشير مراقبون إلى أن هذه الخطوة تُعد جزءًا من مسار إصلاحي أكبر، يهدف إلى تحقيق ما يُعرف بـ"العدالة التوزيعية"، أي توزيع الأعباء والمنافع بشكل أكثر توازنًا، وتحقيق التكافؤ بين مختلف الشرائح الاقتصادية.

لماذا هذا التعديل الآن؟

تأتي هذه التعديلات ضمن سلسلة إصلاحات بدأتها السلطنة منذ عدة سنوات، كان أبرزها تطبيق ضريبة القيمة المضافة، وإعادة هيكلة الدعم، وتحسين كفاءة الإنفاق الحكومي. ويُعد قانون ضريبة دخل الأفراد آخر هذه الحلقات، وواحدًا من أهم أدوات تحقيق الاستدامة المالية طويلة الأمد.

وفي ظل تقلب أسعار النفط وتزايد التحديات الجيوسياسية، فإن دول الخليج بشكل عام، وسلطنة عُمان بشكل خاص، بدأت تُدرك أهمية إنشاء قواعد مالية مرنة ومستدامة، تضمن استمرارية التنمية دون الاعتماد المفرط على العائدات النفطية.

ما المتوقع بعد 2028؟

يرجح اقتصاديون أن يتم تقييم نتائج التطبيق بعد سنوات قليلة من انطلاقه، وقد تُجرى تعديلات إضافية بناءً على التجربة الواقعية وردود فعل المجتمع. كما يتوقع أن تتوسع المنظومة الضريبية في المستقبل لتشمل آليات تحفيزية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتقديم حوافز ضريبية للقطاعات الاستراتيجية.

القانون الجديد يمثل خطوة استراتيجية دقيقة في مسيرة الإصلاح الاقتصادي لعُمان. وبينما قد يحمل في طياته بعض التحديات، إلا أن وضوحه، ومحدودية تطبيقه، والنية الصريحة في توجيه عائداته لدعم الحماية الاجتماعية، تمنحه طابعًا إصلاحيًا بعيدًا عن المفهوم التقليدي للضرائب كأداة للجباية فقط.

إنه إعلان بأن السلطنة تدخل مرحلة جديدة، تتطلب وعيًا مجتمعيًا وتعاونًا من الجميع، من أجل بناء اقتصاد مستقر ومجتمع أكثر عدالة واستدامة.

Open Comment
Close Comment

0 Response to "عُمان تُدخل تعديلات حاسمة على قانون ضريبة دخل الأفراد"

إرسال تعليق

Iklan Atas Artikel

Iklan Tengah Artikel 1

Iklan Tengah Artikel 2

Iklan Bawah Artikel