في خطوة تاريخية تمثل تحولاً في السياسات المالية للدولة، أصدر السلطان هيثم بن طارق، سلطان عُمان، مرسومًا سلطانيًا يقضي بإقرار قانون ضريبة الدخل على الأفراد، ليكون الأول من نوعه في تاريخ السلطنة. ومن المقرر بدء تطبيق هذا القانون اعتبارًا من 1 يناير 2028، وسط تأكيدات رسمية بأن تطبيقه سيكون محدودًا، ولن يمس الغالبية العظمى من السكان.
يمثل هذا القرار ركيزة أساسية ضمن رؤية عُمان للتحول الاقتصادي الشامل، حيث تسعى السلطنة إلى تنويع مصادر الدخل بعيدًا عن الاعتماد التقليدي على الإيرادات النفطية، وتعزيز منظومة الحماية الاجتماعية.
القانون الجديد: خطوة محسوبة نحو الاستدامة المالية
جاء إصدار القانون بعد مراجعة دقيقة لمجموعة من القوانين والأنظمة ذات الصلة، من بينها قانون ضريبة الدخل، قانون ضريبة القيمة المضافة، قانون المعاملات الإلكترونية، بالإضافة إلى نظام جهاز الضرائب العُماني. وقد جرى عرض مشروع القانون على مجلس عُمان، ليحظى بالموافقة قبل أن يُقرّ بشكل رسمي من قِبل السلطان.
وبحسب ما ورد في البيان الصادر عن مركز التواصل الحكومي، فإن القانون يحدد آليات تقديم الإقرارات الضريبية من قبل الأفراد، والتي ستكون رقمية بالكامل عبر منصة إلكترونية تابعة لجهاز الضرائب. ويُتوقع أن تصدر اللائحة التنفيذية للقانون خلال عام من نشر المرسوم، مع مراعاة تيسير الإجراءات وعدم تعقيد العملية الضريبية.
موعد التطبيق: فسحة زمنية للتحضير
أحد الجوانب اللافتة في القرار هو فسحة الوقت الممنوحة قبل التطبيق الفعلي للقانون، حيث تم تحديد تاريخ 1 يناير 2028 لبداية التنفيذ. وتُعتبر هذه المهلة إشارة إلى حرص الحكومة العُمانية على إعطاء الوقت الكافي لكل من المواطنين والمؤسسات الحكومية للاستعداد، وتهيئة البنية التحتية الرقمية اللازمة، بالإضافة إلى إطلاق حملات توعوية لتعريف المواطنين بالتفاصيل والإجراءات.
من سيُطبق عليه القانون؟
أوضحت وزارة الاقتصاد أن القانون الجديد لن يُطبق على جميع المواطنين، بل على شريحة صغيرة لا تتجاوز 1% من السكان، وهي الفئة ذات الدخول المرتفعة. وبهذا، تسعى الحكومة إلى طمأنة المواطنين بأن الضريبة لن تمس محدودي ومتوسطي الدخل، ولن تؤثر على النسيج الاجتماعي أو مستوى المعيشة العام.
وأضافت الوزارة أن حصيلة هذه الضريبة ستُخصص بالكامل لدعم منظومة الحماية الاجتماعية، بما في ذلك الضمان الاجتماعي، والدعم الموجه للفئات الضعيفة، وتحسين البنية التحتية لخدمات الصحة والتعليم.
#الضريبة_على_دخل_الأفراد تُطبق على نسبة لا تتجاوز 1% من السكان، وتُوجّه حصيلتها لدعم #منظومة_الحماية_الاجتماعية بكافة فئاتها، بما يُسهم في تحقيق التوازن المالي وتعزيز الاستقرار المجتمعي. pic.twitter.com/wwOKnvMOeV
— وزارة الاقتصاد - سلطنة عُمان (@MOE_Oman) June 22, 2025
ضريبة برؤية إصلاحية شاملة
تأتي هذه الخطوة في إطار خطة "رؤية عُمان 2040"، التي تهدف إلى تطوير نموذج اقتصادي أكثر توازنًا واستدامة. إذ تسعى السلطنة إلى تقليص اعتمادها على قطاع النفط، من خلال تفعيل أدوات مالية جديدة تضمن استمرارية الإنفاق على الخدمات الأساسية، مع المحافظة على التوازن المالي العام.
ويرى محللون أن قانون ضريبة الدخل على الأفراد يعكس نضوج السياسات الاقتصادية في السلطنة، وانتقالها من مرحلة الاعتماد على الموارد الطبيعية إلى تبني أدوات مالية تعزز الشفافية، وتحقق العدالة في توزيع العبء المالي.
مقارنة إقليمية: عُمان تلتحق بالركب
تُعد سلطنة عُمان من بين آخر الدول الخليجية التي تفرض ضريبة دخل على الأفراد. وعلى الرغم من أن بعض دول الخليج مثل السعودية والإمارات لم تطبق بعد ضريبة مباشرة على الأفراد، إلا أن هناك مؤشرات على أن المنطقة تتجه تدريجياً نحو تعزيز القواعد الضريبية في ظل التحديات الاقتصادية العالمية.
ويرى خبراء أن عُمان تُعد نفسها لهذا التحول منذ سنوات، حيث بدأت بتطبيق ضريبة القيمة المضافة، وتوسيع القاعدة الضريبية تدريجيًا، مع المحافظة على الشفافية وتقديم حوافز للمستثمرين.
ردود الأفعال: بين الحذر والتفاؤل
شهد الإعلان عن القانون الجديد تفاعلًا واسعًا على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تراوحت الآراء بين من يرى الخطوة ضرورية لضمان استقرار مالي طويل الأمد، ومن يخشى أن تكون تمهيدًا لمزيد من الأعباء الاقتصادية في المستقبل.
إلا أن الغالبية أجمعت على أهمية تخصيص عائدات الضريبة لدعم الفئات الأقل دخلًا، وضمان عدم تأثر الطبقة المتوسطة، وهو ما تعهدت به الحكومة بشكل واضح في بيانها الرسمي.
التحديات المتوقعة
رغم الإيجابية العامة حول الخطوة، إلا أن هناك تحديات محتملة يجب التعامل معها بدقة، ومنها:
-
ضمان فعالية النظام الرقمي لتقديم الإقرارات الضريبية.
-
تأهيل الكوادر البشرية في جهاز الضرائب للتعامل مع الأفراد.
-
بناء جسور ثقة مع المواطنين من خلال الشفافية في صرف إيرادات الضريبة.
-
التصدي لأي محاولة تهرب ضريبي من الفئات المستهدفة.
كل هذه العوامل ستحدد مدى نجاح تطبيق هذا القانون على المدى البعيد.
عُمان تكتب فصلاً جديدًا في تاريخها المالي
يمثل قانون ضريبة الدخل على الأفراد نقطة تحول مهمة في المسار الاقتصادي لعُمان، ورسالة واضحة بأن السلطنة تسير بخطى واثقة نحو إصلاحات جذرية تعزز من استقرارها المالي، دون المساس بحياة المواطن العادي.
وبينما قد تثير هذه الخطوة بعض القلق في البداية، إلا أن طريقة التنفيذ، والوضوح في الأهداف، والمهلة الزمنية الكافية، كلها عوامل تُنبئ بأن عُمان تتجه نحو نموذج اقتصادي أكثر كفاءة وعدالة.
Posted by .jpg)

0 Response to "عُمان تدخل عهدًا اقتصاديًا جديدًا: قانون ضريبة الدخل على الأفراد يدخل حيّز التنفيذ"
إرسال تعليق