رغم تصاعد التوترات السياسية والعسكرية في منطقة الشرق الأوسط، أظهرت معظم أسواق الأسهم الخليجية مرونة ملحوظة اليوم الأحد، وتمكنت من التعافي من خسائرها الصباحية لتغلق على ارتفاع طفيف في مؤشراتها، مما يعكس ثقة المستثمرين في استقرار الأوضاع الاقتصادية الأساسية، وقدرة الأسواق على امتصاص الصدمات الجيوسياسية.
هذه النتائج تأتي بعد أقل من 24 ساعة على قيام القوات الأميركية بشن ضربات صاروخية استهدفت منشآت نووية إيرانية، في تصعيد غير مسبوق عقب تهديدات متبادلة بين واشنطن وطهران. ومع ذلك، فإن ردود فعل الأسواق لم تكن على قدر حجم الحدث، بل أظهرت قدرة على التوازن وتحقيق مكاسب في بعض القطاعات.
مؤشرات خليجية تغلق على ارتفاع
في قطر، سجل مؤشر السوق ارتفاعًا بنسبة 0.2%، مدعومًا بشكل رئيسي بارتفاع سهم شركة "أُريدُ" للاتصالات بنسبة 2.6%، إلى جانب صعود سهم شركة "ناقلات" لنقل الغاز بنسبة 1.2%، وفقًا لوكالة "رويترز". هذا الأداء يعكس ثقة نسبية في القطاعات المرتبطة بالبنية التحتية والطاقة، رغم المخاوف من اتساع دائرة النزاع في المنطقة.
أما في الكويت، فقد تجاوز المؤشر العام خسائره الصباحية ليغلق مرتفعًا بنسبة 0.4%، مدعومًا باستقرار مؤشرات السيولة والطلب على الأسهم التشغيلية. وفي البحرين، أغلق المؤشر الرئيسي على ارتفاع بنسبة 0.3%، كما ارتفع مؤشر بورصة مسقط في سلطنة عُمان بنسبة 0.4%، مدفوعًا بأداء إيجابي لأسهم الخدمات والبنوك.
تراجع محدود في السوق السعودي
رغم البداية الإيجابية، تراجع المؤشر العام في السوق السعودية بنسبة 0.3%، متأثرًا بانخفاض سهم "مصرف الراجحي" بنسبة 1.2%، إلى جانب هبوط سهم "طيران ناس" المدرج حديثًا بأكثر من 4%، في ظل قلق المستثمرين من تأثير تصاعد النزاع على حركة الطيران الإقليمي.
ويرى محللون أن السوق السعودية، بحكم حجمها وتأثيرها الإقليمي، تكون أكثر حساسية للتغيرات الجيوسياسية، لكنها في الوقت ذاته تعتمد على قاعدة استثمارية قوية مدعومة من صناديق حكومية ومحلية.
محللون: رد فعل الأسواق كان أهدأ من المتوقع
يرى مايكل براون، كبير الباحثين في مؤسسة "بيبرستون"، أن رد الأسواق الخليجية كان "أهدأ من المتوقع"، مضيفًا أن "الأسواق كانت قد استوعبت بالفعل احتمال وقوع هجوم أميركي على إيران، وهو ما يفسر سرعة تعافي المؤشرات بعد موجة البيع الصباحية".
ويضيف براون أن التوقعات بتحرك سريع نحو تسوية النزاع قد ساعدت في تهدئة المخاوف، وأن المستثمرين يتعاملون مع الأزمة باعتبارها مؤقتة، ما لم تظهر مؤشرات قوية على اتساع رقعة الصراع لتشمل أراضي دول الخليج نفسها.
استعدادات أمنية في البحرين والكويت
وفي الجانب الأمني، أعلنت السلطات في البحرين اتخاذ إجراءات احترازية شملت تحذير المواطنين من استخدام الطرق الرئيسية، وسط مخاوف من احتمالات امتداد التوترات. كما أفادت تقارير بأن الكويت أقامت ملاجئ مؤقتة في مجمع الوزارات تحسبًا لأي طارئ.
ورغم هذه الاستعدادات، لم تنعكس التطورات الأمنية بشكل سلبي كبير على أداء الأسواق، وهو ما يُعد مؤشرًا على ثقة المستثمرين في قدرة الحكومات الخليجية على تأمين الداخل واحتواء أي تداعيات خارجية.
أسعار النفط والفرص الاستثمارية
يرى ياب ميير، رئيس قسم الأبحاث في "أرقام كابيتال"، أن بعض المستثمرين قد استغلوا التراجع المؤقت في الأسواق لاقتناص فرص الشراء، خاصة في الأسهم التي تُعد أقل من قيمتها السوقية أو تلك التي من المرجح أن تستفيد من ارتفاع أسعار النفط.
ويضيف ميير أن "اقتصادات دول الخليج تتمتع حتى الآن بدرجة جيدة من الحصانة، بفضل استمرار تدفق الإيرادات النفطية، ووجود صناديق سيادية قادرة على دعم الأسواق، إلى جانب برامج التنويع الاقتصادي الطموحة التي تقلل من الاعتماد على النفط".
خارج الخليج: ارتفاع قوي للبورصة المصرية
بعيدًا عن الخليج، أغلقت مؤشرات البورصة المصرية على ارتفاع لافت، حيث قفز المؤشر الرئيسي بنسبة 2.7%، مدعومًا بأداء إيجابي لمعظم الأسهم، وعلى رأسها سهم البنك التجاري الدولي الذي صعد بنسبة 1.5%.
ويرى محللون أن البورصة المصرية استفادت من تراجع التوترات محليًا، وعودة الثقة في الأسواق الناشئة، بالإضافة إلى توقعات بأن التدخل الأميركي قد يسهم في احتواء التصعيد بدلًا من توسيعه.
هل الصراع تحت السيطرة؟
يرى مراقبون أن حجم الضرر الاقتصادي سيكون محدودًا طالما ظل النزاع ضمن الحدود الجغرافية الحالية. ويقول أركين كامران، الرئيس التنفيذي لشركة "تراز": "التدخل الأميركي العسكري قد يحد من انتشار النزاع، ويدفع طهران نحو مراجعة خياراتها، خاصة في ظل تفوق واشنطن عسكريًا، وضعف القدرة الإيرانية على الرد بشكل مؤثر".
في الوقت ذاته، يُشدد كامران على أن "الأسواق ستظل تراقب عن كثب أي إشارات على التصعيد أو على المبادرات السياسية التي قد تساهم في التهدئة".
ما حدث في أسواق الخليج اليوم يؤكد على أن الأسواق باتت أكثر نضجًا في التعامل مع المتغيرات الإقليمية، وأن المستثمرين بدأوا يميزون بين المخاطر الحقيقية والاضطرابات العابرة. وبينما لا تزال المنطقة في دائرة الخطر، فإن مرونة الأسواق وتفاعلها العقلاني مع الأحداث يمنحان الأمل في أن التوترات السياسية لن تكون بالضرورة عائقًا دائمًا أمام النمو الاقتصادي.
Posted by 
0 Response to "الأسواق الخليجية تتعافى رغم القصف الأميركي لإيران"
إرسال تعليق