سوريا تطلق خطة شاملة لإصلاح المصارف العامة

سوريا تطلق خطة شاملة لإصلاح المصارف العامة
الثلاثاء، 24 يونيو 2025

في خطوة تُعد بداية لمسار إصلاحي اقتصادي مهم، أعلنت وزارة المالية السورية، بقيادة الوزير محمد يسر برنية، عن إطلاق خطة شاملة لإصلاح المصارف العامة في البلاد. ويأتي هذا الإعلان في وقت حساس تمر فيه سوريا بمرحلة استعادة التوازن الاقتصادي، في ظل جهود حكومية لتهيئة بيئة مالية ومصرفية مستقرة تسهم في دعم النمو وتلبية تطلعات المواطنين.

الاجتماع الذي جمع الوزير مع المديرين العامين للمصارف العامة كان نقطة الانطلاق لهذه الخطة الطموحة. وخلال اللقاء، أكد الوزير أن الإصلاح ليس مجرد إجراء إداري، بل مشروع وطني متكامل تم العمل عليه بالتعاون مع مصرف سوريا المركزي وكافة الجهات الرقابية المعنية، وبعد إجراء دراسات وتقييمات معمقة لأداء المصارف خلال السنوات الماضية.

أهداف متعددة وخارطة طريق واضحة

تستهدف الخطة جملة من الأهداف الجوهرية، أبرزها تحديث آليات العمل داخل المصارف العامة، وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين والشركات، بالإضافة إلى تعزيز القدرة التنافسية لهذه المصارف في سوق محلية تتجه نحو التحرر والانفتاح التدريجي. كما تسعى إلى تمكين البنوك من لعب دور فاعل في تمويل المشاريع التنموية، وخلق بيئة مالية تساهم في إعادة الإعمار ودفع عجلة الاستثمار.

وشدد الوزير برنية على أن الإصلاح المصرفي لن يكون تجميلياً أو مرحلياً، بل سيتضمن تغييرات جوهرية في بنية المصارف من حيث الموارد البشرية، وتطوير البنية التحتية التقنية، والالتزام بالمعايير الدولية للحوكمة والشفافية. وأوضح أن محاربة الفساد المالي والمصرفي تُعد جزءاً أساسياً من الخطة، حيث ستُطبق آليات جديدة للرقابة الداخلية والخارجية، وسيُعتمد نظام تقييم أداء دوري للمصارف ومديريها.

مصرف سوريا المركزي.. شريك رئيسي في التحول

من جانبه، أكد حاكم مصرف سوريا المركزي، الدكتور عبد القادر الحصرية، أن المصرف لعب دوراً محورياً في بلورة خطة الإصلاح، وسيوفر الدعم الفني والتقني للمصارف العامة خلال تنفيذها. ولفت إلى أن نجاح الخطة يعتمد على مدى التزام المصارف بمتطلبات المرحلة، خاصة مع ما تشهده الساحة المالية من تطورات محلية ودولية تستوجب التحديث السريع.

وفي تطور بالغ الأهمية، كشف الحصرية أن سوريا نجحت مؤخراً في تنفيذ أول تحويل مصرفي دولي مباشر عبر نظام "سويفت" العالمي، وهو ما يُعد إنجازاً لافتاً بعد سنوات من العزلة المصرفية بسبب الحرب والعقوبات الدولية. وقد تم التحويل من بنك سوري إلى بنك إيطالي، في إشارة واضحة إلى بدء استعادة العلاقات المصرفية مع العالم الخارجي.

التحول الرقمي وتعزيز الثقة

التحول الرقمي سيشكل أحد الأعمدة الأساسية في خطة الإصلاح، إذ ستُعطى الأولوية لتطوير البنية التحتية التكنولوجية للمصارف، وتحسين نظم الدفع الإلكتروني والخدمات المصرفية عن بُعد. كما سيجري تدريب الكوادر العاملة لمواكبة هذه النقلة النوعية، بما يضمن تقديم خدمات عصرية وآمنة للعملاء، ويقلص الحاجة إلى التعاملات الورقية التقليدية.

وتدرك الحكومة السورية أن إعادة بناء الثقة بين المواطن والمصارف الوطنية مهمة معقدة تتطلب نتائج ملموسة. لذا، أكدت وزارة المالية أن تحسين جودة الخدمات وتبسيط الإجراءات سيكونان من أولويات التنفيذ، إلى جانب العمل على إطلاق برامج تمويل جديدة تُراعي حاجات فئات واسعة من المجتمع، وخاصة صغار المزارعين وأصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة.

خطوات نحو الاندماج الدولي

عودة سوريا إلى نظام "سويفت" العالمي قد تفتح الباب أمام تطورات أخرى مرتقبة، حيث أشار الحاكم الحصرية إلى أن هناك مفاوضات جارية مع بنوك أميركية وأوروبية لتوسيع دائرة التعاملات، وقد تُنفذ أول معاملة مالية مع بنك أميركي خلال الأسابيع القادمة. وتعد هذه الخطوة جزءاً من خطة أشمل لإعادة دمج سوريا في النظام المالي العالمي، وتحفيز تدفق الاستثمارات والتحويلات المالية من الخارج.

ويرى مراقبون أن هذه التحركات تعكس تغيّراً واضحاً في المزاج الاقتصادي للحكومة السورية، التي باتت تدرك أن إصلاح القطاع المصرفي لا يقل أهمية عن الإصلاح السياسي أو الاجتماعي. ويشير بعضهم إلى أن تطوير القطاع المصرفي سيكون بوابة ضرورية لتأهيل الاقتصاد السوري للمرحلة المقبلة، خصوصاً في ما يتعلق بإعادة الإعمار وجذب الاستثمارات.

التحديات.. والطريق إلى التنفيذ

ورغم التفاؤل الحذر، يدرك المسؤولون في وزارة المالية أن تنفيذ خطة الإصلاح لن يكون سهلاً، في ظل التحديات التي تراكمت خلال أكثر من عقد من الحرب والانهيار الاقتصادي. وتتمثل أبرز العقبات في البنية التحتية المتضررة، ونقص الكوادر المؤهلة، بالإضافة إلى التحديات التمويلية التي قد تعيق تنفيذ بعض البنود الطموحة.

لكن الرسالة التي وجهها الوزير برنية خلال الاجتماع كانت واضحة: "الإصلاح لم يعد خياراً، بل ضرورة ملحة"، مؤكداً أن الحكومة مصممة على النجاح في هذا المسار، ومستعدة لتوفير الدعم اللازم من أجل تحقيق الأهداف المرجوة.

ومع بدء تنفيذ الخطة، تترقب الأوساط الاقتصادية والمالية في سوريا أولى النتائج الملموسة لهذا المشروع الوطني، الذي قد يكون بداية حقيقية لتحول عميق في شكل وأداء القطاع المصرفي في البلاد.

Open Comment
Close Comment

0 Response to "سوريا تطلق خطة شاملة لإصلاح المصارف العامة"

إرسال تعليق

Iklan Atas Artikel

Iklan Tengah Artikel 1

Iklan Tengah Artikel 2

Iklan Bawah Artikel